كم مرة وجدت نفسك تؤجل قرارًا مهمًا لأنك شعرت أنك بحاجة إلى مزيد من المعلومات؟

ربما كنت تقارن بين خيارين مهنيين، أو تفكر في إطلاق مشروع جديد، أو تحاول اختيار أداة عمل مختلفة لفريقك. في البداية يبدو التأجيل منطقيًا، فالحصول على معلومات أكثر يفترض أن يؤدي إلى قرارات أفضل. لكن المشكلة أن البحث المستمر قد يتحول أحيانًا إلى شكل آخر من أشكال التأجيل، حيث نقضي وقتًا طويلًا في جمع المعلومات بينما يبقى القرار نفسه مؤجلًا.

في بيئات العمل الحديثة، لا ترتبط جودة اتخاذ القرار في العمل دائمًا بكمية المعلومات التي نمتلكها، بل بقدرتنا على التمييز بين المعلومات الضرورية والمعلومات التي لن تغير النتيجة فعليًا. لهذا السبب اشتهرت قاعدة إدارية تعرف باسم “قاعدة الـ70%”، والتي اقترحها Jeff Bezos كوسيلة لتسريع القرارات دون الوقوع في التسرع أو الشلل الناتج عن كثرة التحليل.


لماذا نؤجل اتخاذ القرارات رغم امتلاك المعلومات الكافية؟

عندما نبحث عن معلومات إضافية، نشعر غالبًا بأننا نقلل احتمالية الوقوع في الخطأ. وهذا صحيح إلى حد معين. لكن المشكلة تظهر عندما يصبح جمع المعلومات هدفًا بحد ذاته، لا وسيلة لاتخاذ القرار.

يشير خبراء الإدارة والسلوك التنظيمي إلى أن الأشخاص يميلون أحيانًا إلى تأجيل القرارات الصعبة من خلال الاستمرار في التحليل والبحث. ورغم أن ذلك يمنح شعورًا مؤقتًا بالأمان والسيطرة، فإنه قد يؤدي إلى تأخير الفرص أو تعطيل تنفيذ المشاريع أو إبطاء فرق العمل.

في الواقع، كل قرار مؤجل يحمل تكلفة خاصة به. فهناك فرص قد تضيع، ومشروعات قد تتباطأ، وأفكار قد تفقد توقيتها المناسب في السوق. ولهذا فإن السؤال المهم ليس فقط: “ما تكلفة القرار الخاطئ؟” بل أيضًا: “ما تكلفة عدم اتخاذ القرار؟”


ما هي قاعدة الـ70%؟

في خطابه السنوي للمساهمين عام 2017، أوضح Jeff Bezos أن العديد من القرارات الإدارية ينبغي اتخاذها عندما تتوفر نحو 70% من المعلومات التي يود صانع القرار امتلاكها. وأشار إلى أن انتظار 90% أو 100% من المعلومات قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى بطء غير ضروري، خصوصًا في بيئات العمل التي تتطلب سرعة الاستجابة والتعلم المستمر.

من المهم التأكيد على أن قاعدة الـ70% ليست دراسة علمية تحدد نسبة مثالية لاتخاذ كل قرار. بل هي مبدأ إداري يساعد على تجنب التحليل الزائد عندما يكون القرار قابلاً للتعديل أو التصحيح لاحقًا.

الفكرة الأساسية بسيطة:

إذا كنت تمتلك معظم المعلومات المهمة، وكان بإمكانك تصحيح المسار لاحقًا، فقد يكون التحرك الآن أفضل من الانتظار حتى تكتمل الصورة بالكامل.

اقرأ أيضًا: هل أصبحت مهارة Prompt Engineering أهم من Excel في سوق العمل؟


ليس كل قرار مناسبًا لقاعدة الـ70%

أحد أكثر الأخطاء شيوعًا هو محاولة تطبيق القاعدة على جميع القرارات بالتساوي.

يمكن تقسيم القرارات إلى نوعين رئيسيين:

قرارات قابلة للعكس

وهي القرارات التي يمكن تعديلها أو التراجع عنها بتكلفة محدودة نسبيًا، مثل:

  • تجربة صيغة جديدة لتقرير العمل.
  • اختبار أداة إنتاجية جديدة.
  • تعديل طريقة إدارة الاجتماعات.
  • إطلاق نموذج أولي لمشروع جديد.

في هذه الحالات، تكون سرعة التعلم أكثر أهمية من الكمال.

قرارات يصعب عكسها

وهي القرارات التي قد يترتب عليها التزامات كبيرة أو آثار طويلة المدى، مثل:

  • توقيع عقد طويل الأجل.
  • قرارات استثمارية كبيرة.
  • قرارات قانونية مهمة.
  • مشاركة بيانات حساسة.

هذا النوع من القرارات يتطلب تحليلاً أعمق ومعلومات أكثر، وربما استشارة متخصصين قبل اتخاذه.


كيف تعرف أنك وقعت في فخ التحليل الزائد؟

إذا كنت غير متأكد مما إذا كنت تحتاج معلومات إضافية فعلًا أم لا، فهناك بعض الإشارات التي قد تدل على أنك دخلت مرحلة التحليل الزائد.

أولى هذه الإشارات أن تجد نفسك تقرأ المصادر نفسها بأشكال مختلفة دون الحصول على معلومات جديدة تغير موقفك. كما قد تلاحظ أنك تستمر في طلب مزيد من الآراء رغم أن معظمها يقدم الاستنتاج نفسه.

ومن العلامات الشائعة أيضًا الخوف من اتخاذ قرار غير مثالي، لدرجة تفضيل عدم اتخاذ أي قرار مطلقًا. وفي بعض الأحيان يكون السبب غياب موعد نهائي واضح للحسم، مما يجعل عملية التفكير تستمر بلا نهاية فعلية.


فلتر عملي لاتخاذ القرار بسرعة أكبر

قبل أن تؤجل أي قرار جديد، جرّب الإجابة عن أربعة أسئلة بسيطة:

✅ هل أفهم الهدف الحقيقي من القرار؟

✅ هل أمتلك أهم المعلومات المؤثرة في النتيجة؟

✅ هل يمكنني تعديل القرار أو التراجع عنه لاحقًا إذا لزم الأمر؟

✅ هل لدي موعد واضح لمراجعة النتائج بعد التنفيذ؟

إذا كانت الإجابة “نعم” على معظم هذه الأسئلة، فقد يكون الوقت مناسبًا للبدء بدلًا من الاستمرار في التحليل.

اقرأ أيضًا: لماذا نفقد الحماس بعد البداية؟ 5 طرق عملية للاستمرار وبناء العادات الإيجابية


مثال عملي من بيئة العمل

لنفترض أنك ترغب في تطوير التقرير الأسبوعي داخل فريقك.

هناك طريقتان للتعامل مع هذا القرار.

الطريقة الأولى هي عقد عدة اجتماعات ومناقشة كل تفصيلة صغيرة ومحاولة الوصول إلى أفضل نسخة ممكنة قبل التجربة.

أما الطريقة الثانية فتتمثل في إنشاء نسخة أولية بسيطة، وتجربتها مع فريق صغير لمدة أسبوعين، ثم جمع الملاحظات وتحسينها بناءً على نتائج حقيقية.

في معظم الحالات، ستمنحك التجربة الفعلية معلومات أكثر قيمة من النقاشات النظرية، لأنك ستعرف مباشرة ما الذي نجح وما الذي يحتاج إلى تعديل.

وهنا يكمن جوهر قاعدة الـ70%: التعلم السريع من الواقع بدل انتظار اليقين الكامل.


كيف يمكن أن يساعدك الذكاء الاصطناعي؟

لا ينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي ليختار نيابةً عنك، لكنه يمكن أن يساعدك على تقييم القرار من زوايا مختلفة.

جرّب هذا الطلب:

أفكر في اتخاذ القرار التالي: [اكتب القرار].

هدفي هو: [اكتب الهدف].

المعلومات المتاحة لدي: [اكتب ما تعرفه].

حلّل القرار من حيث: أهم معلومة ناقصة، أسوأ سيناريو محتمل، إمكانية التراجع، وأصغر تجربة يمكن تنفيذها خلال أسبوع.

بهذه الطريقة ستحصل على منظور إضافي يساعدك على اكتشاف الافتراضات والمخاطر دون التخلي عن مسؤوليتك في اتخاذ القرار.


توصية المنتور

دورة إدارة حل المشكلات مع د. أيمن مكاوي

إذا كنت ترغب في تحسين قدرتك على اتخاذ القرار في العمل وتحليل المشكلات بشكل منهجي، فقد تكون دورة إدارة حل المشكلات نقطة بداية مناسبة.

تغطي الدورة مجموعة من المهارات المهمة مثل فهم جذور المشكلات، وتحليل البدائل، وتقييم الحلول المختلفة، واتخاذ قرارات أكثر فاعلية في بيئات العمل المتغيرة.


الخلاصة

يقضي كثير من الناس وقتًا طويلًا في انتظار اللحظة التي يشعرون فيها بيقين كامل قبل اتخاذ القرار. لكن الحقيقة أن معظم القرارات المهنية لا توفر هذا النوع من اليقين.

لذلك قد يكون السؤال الأهم ليس:

هل أمتلك كل المعلومات؟

بل:

هل أمتلك ما يكفي لاتخاذ الخطوة التالية؟

ففي كثير من الأحيان، لا تأتي الثقة قبل القرار، بل تأتي بعده. ويكون التعلم الناتج عن التجربة أسرع وأعمق من أي قدر إضافي من التحليل.

اقرأ أيضًا: لماذا نفقد الحماس بعد البداية؟ 5 طرق عملية للاستمرار وبناء العادات الإيجابية